اسماعيل بن محمد القونوي
477
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
ما يناسب قول الشعراء هذا يشعر أن مرادهم بأنه كلام شعري إن هذا كلام بعض الشعراء فحينئذ قولهم له عليه السّلام إنه شاعر إنه تكلم بكلام شاعر فيكون شاعرا فيندفع البحث المذكور تأمل . قوله : ( ويجوز أن يكون الكل من اللّه تنزيلا لأقوالهم في درج الفساد ) ويجوز أن يكون الكل الظاهر أن كون الكل من اللّه تعالى بتقدير القول في فوق بل الأخيرين وهو الذي أشار إليه بقوله تنزيلا لأقوالهم بالجمع وهو تكلف ولذا أخره وضعفه ولم يقل ترقيا مع أنه الظاهر للتنبيه على أن الترقي في القبح تنزل مرتبة . قوله : ( لأن كونه شعرا أبعد من كونه مفترى ) فإذا كان ذلك أبعد فقوله أبعد . قوله : ( لأنه مشحون بالحقائق والحكم ليس فيه ما يناسب قول الشعراء وهو من كونه أحلاما لأنه مشتمل على مغيبات كثيرة طابقت الواقع والمفترى لا يكون كذلك بخلاف الأحلام ) لأنه أي القرآن مشحون قال المص في تفسير قوله تعالى : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ [ يس : 69 ] لأن نظمه ليس بموزون ولا معناه ما يتوخاه الشعراء من التخيلات المرغبة والمنفرة انتهى وأما قوله عليه السّلام : « إن من الشعر لحكمة » فلا ينافيه لأنه بعض الشعر الذي يتضمن الدقائق والحقائق مع وجازة اللفظ وحسن انتظامه كما يدل عليه من التبعيضية والشعر الذي زعموا أن القرآن من جنسه ما قاله المص بقرينة أنهم في صدد يردهم فلا وجه للاعتراض بأن مبنى هذا الكلام على أن يكون بين الشعر والحكمة بون بعيد الخ وليت شعري ماذا يقول هذا المعترض في قوله تعالى : وَما عَلَّمْناهُ « 1 » الشِّعْرَ [ يس : 69 ] الخ فما هو جوابه فهو جوابنا قال تعالى : وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ [ الشعراء : 224 ] الآية . قوله : ويجوز أن يكون الكل تنزيلا لأقوالهم في درج الفساد الخ . والحاصل أن كون القرآن شعرا أبعد من كونه مفترى لأن الشعر متخيلات ملفقة يدعو إلى الهوى والشيطان والقرآن كلمات فرقانية يدعو إلى الهدى وطاعة الرحمن وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ [ يس : 69 ، 70 ] وكونه مفترى أبعد من كونه أحلاما لأن المفتري مبطل في كلامه والقرآن لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [ فصلت : 42 ] وكونه أحلاما أبعد من كونه سحرا لأن تشبيه النظم المعجز الفائق بالسحر أقرب من تشبيهه بأضغاث أحلام كما قيل إن من البيان لسحرا لكن أين هذا من تخاليط الأحلام أنه كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [ هود : 1 ] وتشبيهه بالسحر أيضا فاسد لأن القرآن حق والسحر باطل وكيف يشبه هذا بالسحر أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ [ الطور : 15 ] وهذا هو معنى تنزيلا أقوال هم في درج الفساد فإن قولهم الثاني أفسد من الأول والثالث أفسد من الثاني وكذا الرابع أفسد من الثالث فالإضراب بكلمة بل في المواضع الثلاثة لأجل التفاوت في مراتب البعد والفساد .
--> ( 1 ) هل بتجاسر على أن ما نفي عنه عليه السّلام تعليمه من الشعر الشعر الذي يتضمنه الحكمة فنعوذ باللّه تعالى من استيلاء الوهم وسوء الفهم .